السبت، 29 نوفمبر 2008

في المنزل المهجور

أنظر في زوايا البيت.. ألمح خيالاتٍ تتحرك.. أطاردها حتى تنقطع أنفاسي ولا أستطيع الاستمرار.. فأجهش بالبكاء.. حزناً؟ ربما.. شوقاً؟ بالتأكيد.. قهراً؟ بلا شك.. لماذا لم أذهب معكم؟ لماذا بقيت؟ لأعاني الوحدة والألم؟ لأعرف قدركم؟ ولكني كنتُ أعرفها من قبل.. حتى عندما كنتُ أغضب منكم وأهدد بالرحيل.. ولكني كنتُ أعلم أنني لا أستطيع.. وكنتم تعلمون أنني لن أفعل.. فلماذا رحلتم أنتم؟ أهو عقابٌ على ذنبٍ لا أدريه؟ أم اختبارٌ عليّ أن أتجلد لأنجح فيه؟ لستُ واثقةً من شيءٍ بعد الآن.. سوى هذا البيت.. المكان الوحيد الذي بتُّ أرتاح فيه.. فرغم وحشة القبور التي تسوده.. إلا أنني أشعر فيه بوجودكم.. وأكاد أراكم تتراكضون في غرفه تثيرون فوضاكم المحببة.. أهٍ كم أشتاق إليها.. إلى ألعابكم الملقاة على الأرض رغم نداءاتي المتكررة لرفعها.. حتى أتعب وأصاب بالإحباط.. فتقومون بترتيبها كنوعٍ من الاعتذار.. أشتاق إلى رائحة ملابسكم بعد يومٍ طويل من اللعب والمشاكسة.. والبقع التي توّقعون بها في كل مكانٍ كدليلٍ على مروركم فيه.. انظروا.. لقد تركتُ كل شيءٍ على حاله كما تركتموه آخر مرة.. فهذه بقعة العصير لم تزل على الكنبة.. وهناك عند الباب بقعة الطين التي أثارت حنقي ساعاتٍ طويلة.. كم أصبحتُ أحبها الآن.. أصبحتُ لا أتخيل شكل البيت دونها.. لكم اتهمني الناس بالوصول إلى أعتاب الجنون.. فبعد سنواتٍ مازلتُ أتحدث عنكم كأنكم في رحلة وستعودون.. لا تخافوا.. فأنا أعلم أنكم لن تعودوا.. ولكني لا أملك غير هذا.. فمازلتم جزءاً مني وإن ابتعدتم.. وستبقون أما ناظري وإن غبتم عن عيوني.. فوجودكم جزءٌ من وجودي.. وما دمتُ أنا فستبقون أنتم.. ومازلتُ أستيقظ في الصباح وأذهب إلى عملي وأمضي يومي كبقية الناس في سخافاتٍ وتفاهاتٍ.. ولا أشعر بالراحة.. أو بالحياة.. إلا عندما أعود وأكون معكم هاهنا.. فهنا أشعر أن الأشياء أصبح لها معنىً وقيمة.. وما دونها سرابٌ زائل..
أتصدقون أن الكثيرين حاولوا إقناعي باستبدالكم؟! ويقولون أنني أنا المشوّشة التفكير! كيف يجرؤن على قول هذا؟ بل وحتى مجرد التفكير فيه؟! كيف استبدل سنواتٍ من الحب المتبادل والعطاء.. والمشاكسة.. والمجادلة.. وآلاف.. بل ملايين الذكريات التي تمنحني القوة والقدرة على الاستمرار..
لقد ضنيّتُ أن آتي لكم بشركاء يزاحمونكم في قلبي وذاكرتي حتى لا تعاتبوني يوم اللقاء على التقصير في ذكراكم.. آهٍ كم انتظرتُ هذا اليوم.. منذ اللحظة التي وصلني فيها الخبر المشؤوم وحتى الآن.. ولكنه يأبى المجيء.. أتراه يتدلل عليّ لعلمه مدى شوقي إليه؟ كم يُذكرني بأيام العشق الأولى.. عندما كنا ننتظر يوم اللقاء.. فيأبى ويتمنّع.. ويماطل في الحضور.. ولكن هذا لقاءٌ من نوعٍ آخر.. فهذا لقاءٌ لا وداع بعده.. لقاءٌ أبديٌ لا يفرقه حتى الموت.. فلتأتِ أيها اليوم الموعود.. وحقق لي اللقاء المنتظر.. ولا تبحث عني طويلاً.. فستجدني هنا.. في هذا البيت.. بين صور الأحبة وأشباح الماضي الجميل.. أتسلّى معهم حتى لا أشعر بوحشة الأيام.. ولا تطل الغياب عليّ.. فأحبابي في الانتظار.. أسمعهم دائماً ينادونني.. ويسألونني الحضور لألعب معهم.. ولا أريد أن أتأخر عليهم...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق