الثلاثاء، 2 ديسمبر 2008

صورة قديمة

أتصدق أن صورتك أحياناً تختلط عليّ وأعجز عن تبيان ملامحها.. لولا صورة زفافنا المعلقة على الحائط القديم.. فأراك كما عهدتك.. شاباً وسيماً.. قوياً .. تملؤه الصحة والأمل.. فأذكر نفسي.. وأنظر في المرآة إلى صورتي.. لأرى خطوط الزمن ظاهرةً في وجهي.. وشعرٌ أشيب يأبى إلا أن يظهر رغم محاولاتي إخفاؤه.. فأحمد الله أحياناً أنك لم ترني على هذه الصورة.. وأنك ستذكرني كما أذكرك.. زهرةً يانعة.. ولكني أعود فأحزن.. فلربما أحببتَ شكلي الجديد كما أحببتَ القديم.. وأنا بالتأكيد سأحبك كيفما أنتَ..
ولكننا حُرمنا هذه الفرصة.. رغماً عنا ربما.. من يدري.. فقد كانت حياتنا صعبة في بدايتها.. فرغم عمل كلانا إلا أن هذا لم يكفِ متطلبات الحياة التي تزداد يوماً بعد يوم.. حتى كاد حبنا ينهار تحت هذه الضغوط مراتٍ ومرات لولا الجهد الذي بذلناه لمواجهتها والصمود معاً.. ولكن حصل ما لابد منه.. أتى بكرنا وحيدنا الذي أنار حياتنا بفرحةٍ لا حدود لها.. ولكنه أضاف أيضاً أعباءً وهموماً لمستقبلٍ لم ندرِ كيف نؤجله..
وناقشنا فكرة الغربة لأول مرة.. ورفضتُها رفضاً قاطعاً.. كيف تبتعد عني وتتركني وحيدة؟ كيف أطيق بعادك عني إن كنتَ انتَ تطيقه؟ وقدّرتَ انفعالي وتركتَ الموضوع لفترة.. كما هي عادتك دائماً كلما أردتَ إقناعي بفكرةٍ ما.. تمهدها لي على شكل جرعات.. حتى تمتص معارضتي تماماً وتصل إلى النتيجة التي تريدها.. وقد استغرق هذا الموضوع بالذات وقتاً طويلاً وأنا مصرةٌ على موقفي.. فكيف أقبل هذا؟ أبعدما فعلنا المستحيل لنكون معاً نختار طواعيةً أن نفترق؟!
ولكن زيادة مصاريفنا ودخول ولدنا المدرسة أجبرني أن ألين قليلاً.. خاصةً بعد أن أقسمتَ لي أن يكون هذا لسنةٍ أو أقل.. حتى تستقر وترسل في إثرنا لنجتمع ثانيةً.. وتحدد سفرك.. وودعتك دموعي قبل سفرك بأيامٍ عديدة.. كنتُ عندما أخلد إلى النوم أراك بجانبي على السرير.. وأتخيل مكانك فارغاً.. فأحس بقلبي يُقتلع من صدري وأُجهش بالبكاء رغماً عني.. وأغفو على صدرك وأنتَ تهدئني وتداعب خصلات شعري كما تعودتَ دائماً أن تفعل عندما أكون متضايقة أو حزينة.. وتخبرني قصصاً عن ابننا وكيف سندخله أحسن المدارس ونعلمه أفضل تعليم ليصبح مهندساً أو طبيباً عظيماً يُشار إليه بالبنان.. وكيف سنشعر بالفخر لأنه ابننا وحصيلة تعبنا.. وكيف سينظر إلينا بامتنانٍ تقديراً لتضحياتنا من أجله.. وكيف أنه سيفعل هذا لأبنائه.. وعندما يسألونه لماذا يحبهم لهذه الدرجة سيقول لهم أنه تعلم هذا منا.. وأننا لن نكتفي بولدٍ واحدٍ الآن.. بل سننجب المزيد لأن مصاريفهم لن تشكل عبئاً علينا بعد اليوم.. فكنتُ أستسلم للمساتك الدافئة وصوتك الحنون المطمئن.. وفي هذه اللحظة أشعر أن كل شيءٍ سيكون على ما يرام.. ولكن ما أن يبزغ الصباح واستيقظ قبلك حتى أذكر سفرك وأنني لن أجد صدرك الدافئ لأغفو عليه.. فأُجهش بالبكاء ثانيةً..
أعلم أنني قد نغصتُ حياتك في الفترة السابقة لسفرك وجعلتُ عذابك مضاعفاً.. ولكنه لم يكن بيدي..
وجاء اليوم المشؤوم.. يوم الوداع.. وودعناك في البيت لأنك رفضتَ أن أرافقك إلى المطار حتى لا أثير ضجةً أو أوهن عزيمتك.. وكان يوماً أسود.. لا أذكر أسوأ منه في حياتي.. بل أياماً سوداء.. ولكنك هونتها عليّ باتصالك اليومي.. حتى اكتشفنا أن هذا سيؤخر مشاريعنا أكثر.. فقررنا تخفيف اتصالاتنا وتوفير ما نستطيعه حتى نستطيع اللقاء قريباً.. ومرت الأيام.. وانقضى العام.. ومضت أعوامٌ بعده.. وأنتَ تؤجلنا للعام التالي.. فرغم أن وضعنا قد تحسن كثيراً.. وأدخلنا ابننا أغلى المدارس وأفضلها.. إلا أنني منذ مدةٍ بدأتُ أستشعر الطمع في صوتك.. وأصبحتَ تريد المزيد.. وأصبحت تضحيتك بنا عن طيب خاطر.. وهذا آلمني أكثر من بعادك.. أن تتعود بعادي ولا يعود ذا فرقٍ لديك.. ولكني صبرتُ وتحملت.. وأقنعتُ نفسي أنك تفعل هذا من أجلي ومن أجل "ابني" كما أصبحتَ تقول لي في كل اتصال.. حتى هذه الاتصالات أصبحت أكثر تباعداً مع الوقت.. حتى جاء يومٌ توقفت فيه نهائياً..
وبقيتُ انتظر اتصالك.. فهذا لم يحصل أبداً من قبل.. مهما طالت غيبتك كنتَ تعاود الاتصال دوماً متعذراً بالعمل وضيق الوقت.. ولكن هذه المرة طال انتظاري.. وسمعتُ الأقارب والجيران يتهامسون ولكني اخترتُ تجاهلهم.. فما أدراهم بالحب والتضحية؟! كيف يقولون أنك تعودتَ حياة الغربة واستقررتَ فيها.. بل وتجرؤوا على اتهامك ببناء بيتٍ جديد لعائلة جديدة فيها!! أتصدق هذا؟!
أنا لم أصدق.. فرغم أن الشك قد ساورني أحياناً ولكن ثقتي بك بلا حدود.. ولكن أين أنتَ؟ هل حصل لك شيء؟ لقد حاولتُ البحث عنك وكلفتُ الكثيرين بذلك.. ولكنهم عادوا جميعاً خاليي الوفاض.. حتى تعبتُ من السؤال وقررتُ الانتظار.. وها قد أصبح ابننا مهندساً لامعاً يُشار إليه بالبنان.. وأشعر بالفخر لأنه ابننا.. ولأننا السبب فيما وصل إليه.. وينظر إلي بامتنانٍ وتقديرٍ لتضحيتي.. ولكن أين أنتَ؟؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق