الجمعة، 9 يناير 2009

شقيقتي

كلما رأيتُ شقيقتي على هذه الحال يتمزق قلبي ألماً.. وأشعر بالعجز لعدم قدرتي على مساعدتها.. ففي كل حركةٍ تتحركها تعاني آلاماً مبرحة.. وحتى في سكونها لاتجد الراحة.. وقد حار الأطباء كثيراً في حالتها.. فمنذ فترةٍ ليست بالبعيدة كانت في أتم صحةٍ وعافية.. ولكن فجأة.. منذ أحست بالتعب ذات يومٍ ونحن نتجول معاً في السوق وأغمي عليها لم تفارق المستشفى مذاك الوقت..
وكأنها تحس بقرب نهايتها.. فتحاول في السويعات القليلة التي تفيق فيها التخفيف عنا وإبهاجنا.. فحالما تفتح عينيها وترى أمي جالسةً بجوارها وآثار الدموع في عينيها حتى تقطب مازحةً: "من تجرأ على إحزانك وأنا هنا؟" فتبتسم لها أمي والدموع تترقرق في عينيها..
وقد أصرت على رؤيتنا جميعاً منذ دخلت المشفى.. لكأنها تخشى أن يكون كل يومٍ هو يومها الأخير وتريد لنا أن نتوادع.. فكلما أفاقت سألت عن شخصٍ جديد.. حتى المسافرون أعادتهم من غربتهم.. وجمعتنا ثانيةً بأشخاصٍ لم نلتق بهم منذ مدة..
ولكن كلما غابت عن الوعي نادت باسمٍ واحدٍ.. اسمه فقط.. وقد فوجئتُ كثيراً في البداية.. فبعد كل هذا الوقت على نهاية قصتهما ظننتُ أن مشاعرها أيضاً قد انتهت.. ولكن حقاً ما يقولون.. عندما يفقد العقل سيطرته على الأمور يظهر ما كنا نحاول جاهدين إخفاؤه.. وتوقعتها أن تحاول في مرةٍ من المرات أن تدرج اسمه مع من تريد رؤيتهم.. ولكنها لم تفعل.. ولم تحاول طرح السؤال حتى.. ربما خشيت على مشاعر أبي الذي حطمه الإشفاق عليها.. وترك عمله وجلس بجوار أمي ليحث الأطباء كل يومٍ لبذل ما بوسعهم.. وعلى تنفيذ رغباتها في اللحظة التي تطلبها فيها.. خشيَت على شعوره بعد أن رفض حبها أكثر من مرةٍ بدعوى أنه لا يستحقها وأنها تستحق الأفضل بكثير.. فرغم محبته الشديدة لكلتينا إلا أنه لطالما فضلها قليلاً.. وقد تعودنا على هذا.. ولكن هنا لاحت لي الفرصة.. فربما الآن أستطيع أن أقدم لها شيئاً يخفف عنها وطأة المرض.. ومن يدري.. فقد يكون السبب في شفائها أيضاً.. لابد من الأمل.. وإلا ما عاد هناك فائدة.. لأنني إن لم أسمح للأمل بالتواجد في حياتي فكيف إذن سأعيش وأنا أعلم أنها قد تكون أيامها الأخيرة حقاً؟ كيف سأمضي في الحياة دون صديقتي الحميمة التي رافقتي طوال حياتي.. وعاشت أفراحي وأحزاني.. وتأثرت بأخطائي وزلاتي؟ كيف سيدور العالم ثانيةً بعد زوال شمسه التي نشرت الدفء في كل من رآها أو أحس بها؟!
حدثتُ أبي بفكرتي.. وكلي خوفٌ من أن يرفضها وأن يؤنبني بشدةٍ لفتح هذا الموضوع بعد كل هذا الوقت بدعوى السماح لها بالنسيان.. ولكنه انهار على الكرسي واضعاً رأسه بين كفيه.. وسمعتُ الندم في صوته وهو يقول: "لقد سمعتها.. وحاولتُ البحث عنه ولكني لم أجده في أي مكان ولم أعرف كيف أصل إليه.. أو أحدّث أحداً بالبحث عنه.. إنني السبب في هذا!!" وشاهدتُ أبي يذرف الدموع لأول مرةٍ منذ دخولها المشفى..
ولكني هدأته.. وقلتُ له أنها فضلت خسارة حبها ألف مرةٍ على أن تفقد ولو قليلاً من حبه لها.. فحب الحبيب يُعوض ولكنها لن تجد أباً مثله أبداً.. ووعدته بالبحث ثانيةً وأن أجده.. وبدأتُ البحث في المعارف القديمة.. حتى وصلتُ إليه مسافراً في أحد البلدان فأخذتُ عنوانه واتصلتُ به.. ورغم أننا كنا صديقين من قبل إلا أنني لم أعرف كيف أبدأ الحديث معه.. فأخبرته مباشرةً بما حصل بلا إضافةٍ أو نقصان.. وطلبتُ منه الحضور إن استطاع.. وأن هذه قد تكون أمنيتها الأخيرة وأن بيده وحده تحقيقها.. وانتظرتُ جوابه ولكنه لم يُجب..
وطال صمته.. ما بك؟ تكلم.. ألم تكن حب حياتك؟ ألم تذرف الدموع عندما أخبرَتك أنها لا تستطيع مخالفة رغبة والدي إن لم تستطيعا إقناعه؟ ألم تقسم لها أنك لن تتزوج بأخرى حتى تستطيع إقناع أبي بالموافقة؟ أنسيتَ كل هذا الآن؟! صحيحٌ أنكما لم تتواصلا طوال هذه المدة ولكن الحب الذي دفعك لقطع هذه العهود لا يُعقل أن يتلاشى تماماً ولو مر عليه ألف عامٍ!!
وأغلق الهاتف دون أن ينبس ببنت شفة..
وقضيتُ ليلتي أتقلّب.. أفشلتُ في تحقيق رغبة صديقتي وأختي الأخيرة! حتى على فراش موتها لا أستطيع أن أجلب لها مقداراً ضئيلاً من السعادة والراحة.. وماذا أقول لأبي الذي وعدته بإحضاره؟!
حاولتُ تجنب لقاء أبي طوال اليوم التالي حتى المساء.. ولكن لابد أن أذهب إلى المستشفى فقد سألت عني مراراً.. ولم أُعودها على الانقطاع عنها يوماً بأكمله.. فذهبتُ وأنا أفكر فيما سأقوله.. وفجأة قطع أفكاري رنين الهاتف.. رفعته لأجيب.. ففوجئتُ بآخر صوتٍ أتوقعه.. ولكنه بدا مختلفاً عن الأمس.. فقد بدا ضعيفاً متعباً كأنه قادمٌ من أعماق الأرض.. وقال لي أنه قد وصل للتو وأنه في المطار.. وسأل عن اسم المشفى.. فأخبرته والسعادة تملؤني.. لقد نجحت.. وأسرعتُ لأكون في استقباله حال وصوله.. لأزف لهم الخبر..
ولكن حالما وصلتُ أحسستُ بجوٍّ من السكون والحزن يحيط بالممرات والحجرات.. حتى وصلتُ إلى حجرتها.. فوجدتُ الجميع مجتمعين حول السرير ولا أكاد أراها.. فدخلتُ مبتسمةً محاولةً التغلب على انقباض قلبي.. ولكن ما أن دخلتُ محييةً حتى انفجر الجميع باكياً.. ماذا حدث؟؟ لقد رحلت قالوا لي.. ولكن كيف ومتى؟؟ منذ نصف ساعةٍ.. وكانت تسأل عني بإلحاحٍ تريد رؤيتي.. ولكني تأخرت.. ولم تستطع انتظاري.. ولكني أحضرتُ لها مفاجأة.. العلاج الشافي الذي عجز الجميع عن إحضاره!
فاقتربت مني الممرضة وناولتني ورقة قالت أنها قد كتبتها في الليلة السابقة وأصرت عليها أن تعطيني إياها فور وصولي.. ففتحتها.. وفيها:

" أختي الحبيبة..
أدري أنك تتألمين مثلي وأكثر بمرضي هذا.. ولكنك قوية وستتحملين.. ليس من أجلك فقط.. بل من أجلي.. ومن أجل أبي وأمي أيضاً..
ولكن لي طلبٌ أخير.. أرجوك لا تتصلي به ولا تخبريه بمرضي.. أو حتى موتي.. لا أريد له أن يعاني أكثر مما جعلته يعانيه فعلاً.. فأرجوك إن كانت لي حقاً مكانةٌ في قلبك أن تحققي أمنيتي الأخيرة.. دعيه يظن أنني نسيته.. حتى يستطيع النسيان أيضاً.. وإن اتصل أو عاد للبحث عني.. قولي له أنني قد تزوجتُ ورحلتُ بعيداً.. وأنني قد أحببتُ غيره.. فليمضِ في حياته.. وليجد سعادته مع شخصٍ آخر.. ولا تدعيه يعلم أنني لم أفكر بغيره حتى النهاية..
أختك المحبة.."

والتفتُ ورائي.. فرأيتُ من بين الدموع وجهه.. وكان مصفراً شاحباً.. فناولته الورقة بحركةٍ آليةٍ ليقرأها.. وطفقتُ أفكر وأنا أنظر إليه ولا أكاد أراه من دموعي.. كيف يمكن لاثنين أحبا بعضهما بهذا القدر ألا يكون معاً.. ليعيشا بسعادةٍ على الأقل الأيام القليلة التي نمضيها في هذه الحياة؟ أين العدل في هذا؟!
عندما انتهى أعاد لي الورقة.. ونظر إليها نظرةً أخيرة.. وحمل متاعه وغادرنا.. ولم يسمع عنه أحدٌ بعد ذلك..
وقد تساءلتُ كثيراً عما حصل له بعدها.. ولكني لم أجرؤ على السؤال عنه أو الاتصال به..
فلأدعه ينسى إن استطاع.. وليجد سعادته مع شخصٍ آخر إن أمكنه..
ولأحقق لها أمنيتها الأخيرة لترقد في سلام...

هناك 6 تعليقات:

  1. هذه القصه اكثر من رائعه يا ريم وانا فخوره جدا لانك صديقتي وسأقرأالان كل القصص والخواطر وسأعلق عليها وشكرا لك على هذا الابداع ... اختك مرام عباسي

    ردحذف
  2. عفواً مرام.. دائماً بيهمني رأيك :)

    ردحذف
  3. السلام عليكم
    ما شاء الله اختى الفاضلة انها فعلا قصة رائعة وتستحق كثير من عبارات المدح والثناء
    والحب سر من اسرار الله وضعه فى خلقه واسكنه القلوب
    فمتى صفت النفس واطمئنت شعرت بالحب فافنت الجوارح فيه واسمى درجات الحب هى الخالصة المنزه عن المطالب والغايات
    حفظ الله لك رقة اسلوبك وابداع فكرك وخواطرك
    واسمحى لى ان اكون من المتابعين لكتاباتك وخواطرك
    مصطفى الابنودى

    ردحذف
  4. شكراً أخ مصطفى على الكلمات اللطيفة..
    ويشرفني أن تتابع ما أكتب.. على أمل ألا تبخل علي بالنقد إذا وجدت له حاجة.

    ردحذف
  5. abd3teee jamelh jdn :)) keep it up sis :)

    ردحذف
  6. mashalaaaa o7iekee 3a heek m5ylii estmreee w alah ywf2ek

    ردحذف