الأربعاء، 15 أبريل 2009

الحب الأول

متى أحسستُ بالحب لأول مرة؟ سؤالٌ واضح لا يحتاج إلى تفسير.. فليس المقصود به هنا حبي لأبي أو أمي أو إخوتي.. بل الحب بمعناه المحدد.. وبدأتُ أفكر.. واسترجع سنواتٍ مضت.. ووجوهاً مرت.. وقادتني الذكريات إلى تلك السنوات البعيدة.. سنوات ما قبل المدرسة.. حين كنا لا نزال أطفالاً أبرياء.. لا تدفعنا المصالح.. ولا تحركنا المنافع.. لا نحسب النتائج ولا نتخوف منها.. حين كانت الحياة بسيطة.. نفعل ما نريد لأننا نريد.. ونقول ما نشاء لأننا نشاء..
وتذكرتها.. كنا في نفس العمر ونفس المجموعة.. كانت لطيفة.. مرتبة.. ثيابها دوماً نظيفة.. ورائحتها منعشة.. لا أصدّق أننا كأطفال كنا ننتبه لمثل هذه التفاصيل!! وكانت هادئة أيضاً.. غالباً ما تلعب بالدمى أو المكعبات.. بينما نحن نعيث الدنيا خراباً.. ونملأ الأجواء صراخاً.. ولهذا كانت مدللة المربية ومضرب المثل دائماً.. ومحط التقدير والإعجاب والهدايا أيضاً.. ورغم أن هذا أثار الغيرة فينا.. إلا أنها لم تكن قط غيرةً فعالة لدرجة تغييرنا أو جعلنا نقتدي بها.. لكنها غيرة لحظية لا تكاد تنتهي.. بلا أحقاد ولا ضغائن.. ولا مؤامرات خفية لتشويه صورتها..
وفي يومٍ ما.. ونحن في فوضانا وهي في هدوئها.. أتى ولدٌ شرس وخرّب الألعاب التي كانت تلعب بها وداسها جميعاً.. وبالطبع نالها بعضٌ من ذلك.. فما كان منها إلا أن انفجرت باكيةً.. ورغم عقاب المربية له.. ومحاولاتها إرضاءها وإسكاتها.. إلا أنها استمرت بالبكاء.. ولا أدري لماذا.. ولكنني لم أستطع تحمل منظرها وهي تبكي.. فقد أحسستُ أنها لا تستحق ما جرى لها.. فذهبتُ إليها وربّتُ على كتفها.. فرفعت وجهاً بللته الدموع تعلوه علامات الدهشة.. فابتسمتُ لها, وسحبتها من يدها لنعيد بناء ما هدمه ذلك الولد.. وكفّت عن البكاء.. وحلت مكان دمعتها بسمة.. وأذكر أنني استمتعتُ باللعب معها.. رغم أنها المرة الأولى التي أبقى فيها في مكانٍ واحد لأكثر من دقيقة!!
وأصبحنا نلعب مع بعضنا دائماً.. لا نكاد نفترق.. أصبحت تجري معي بهدوء.. وأصبحتُ أبني معها ببعض الضوضاء.. أصبحت تذهب إلى البيت مشعة قليلاً.. وأصبحتُ أذهب إلى البيت مرتباً قليلاً.. ولكنني أذكر أنني كنتُ أكره المشاركة.. مشاركة أي شيء.. وكل شيء.. فما هو لي.. لي.. وما ليس لي.. كان يجب أن أحصل عليه.. أو على مثله على الأقل.. ربما لأنني كنتُ طفلاً وحيداً وقتها.. لم أتعلم المشاركة.. وكانت هي دوماً تعطيني أشياء.. ألعاب تحضرها من منزلها لنلعب بها معاً.. حلويات وأشياء لذيذة.. حتى لو لم يكن معها اثنان من الشيء كانت تعطيني نصفه.. وأحياناً عندما ترى أنه أعجبني تعطيني النصف الآخر.. وكنتُ أرى هذا عادياً.. فالكل يعطيني ما أريد.. لا جديد في هذا.. لكني لم أعطها يوماً لعبة.. أو أطعمتها مما معي.. فلم أرَ داعياً لهذا.. ولكن في يومٍ ما.. لم تعطني شيئاً.. فتعجبت.. وسألتها لماذا لم تُحضر لي شيئاً؟! فأجابت أن أمها مريضة وأن أباها في المستشفى بجوارها.. ولذلك لم يتذكر أحد أن يحضر لها شيئاً.. فطلبت مني المربية أن أطعمها مما معي.. وتضايقتُ.. كيف تجرؤ!! فتظاهرتُ أنني لم أسمع.. ولكنها عادت وألحت.. "أليست صديقتك؟!" .. فاضطررتُ أن أقسم لها نصف شطيرتي.. وأعطيتها النصف الأصغر.. ولكنها فرحت به.. وأحسستُ بالرضا.. وشعرتُ أنني قمتُ بعملٍ جيد.. وفي اليوم التالي سألتها إن كانت قد أحضرت شيئاً.. ولكنها أجابت بالنفي.. فسارعتُ بإعطائها نصفاً مساوياً من الشطيرة هذه المرة.. بل ونصف الحلوى التي معي.. وشعرتُ أن طعمها كان ألذ يومذاك.. وكان شعوري بالرضا أكبر.. واستمر هذا الحال أسبوعاً ربما.. أو أكثر قليلاً.. وأصبحتُ أتفنن فيما أحضره معي حتى ينال إعجابها.. وكانت هي تبتسم دائماً بغض النظر عما كنتُ أعطيها.. وكانت هذه المرة الأولى التي أشارك فيها أحداً أي شيء.. وكان إحساساً جميلاً.. وفهمتُ حينها أننا عندما نحب شخصاً نحب أن نعطيه ما لدينا.. أن نشاركه أحلامنا ومشاعرنا وأشياءنا.. بلتأكيد ليس بهذا الوضوح.. فقد كنتُ مجرد طفل.. ولكنه المبدأ.. وأننا عندما نحب أحداً أيضاً لا يهم ما يعطينا إياه.. ولكن أن يرغب بمشاركتنا بجزءٍ من حياته وممتلكاته هو مايشعرنا بالسعادة.. وفهمتُ حينها لماذا كان والداي يشعران بالسعادة عندما كنتُ أشاركهما في أي شيء.. في كأس عصير.. أو طبق حلوى.. ولماذا كانا يعطياني ما أطلب بابتسامة..
وشفيت والدتها.. وعدنا لمشاركة طعامنا حتى نهاية السنة.. وكنا قد أصبحنا من أعز الأصدقاء.. ولكن كما لكل لقاءٍ موعد.. فلكل وداعٍ كذلك.. وحان موعد دخولنا المدرسة.. وانتقل كلٌ منا لمدرسةٍ مختلفة.. ولم نلتقِ بعدها.. وصراحةً.. سرعان ما نسيتها ونسيتُ هذه الأيام.. ومتأكدٌ أنها نسيت كذلك.. ولكن ظلت هذه الفكرة معي.. أننا عندما نحب نشارك.. ونمنح.. ونشعر بالسعادة عندما نكون سبباً في ابتسامة من نحب.. وطبقتُ فكرتي على إخوتي الصغار الذين أتوا فيما بعد.. ونجحت.. وكان لها نفس الأثر في نفسي.. وطبقتها على أصدقائي الذين التقيتُ بهم فيما بعد.. وكان لها نفس الأثر.. ونجحت النظرية مرة أخرى.. وطبقتها على كل فتاةٍ أحببتها بعد ذلك في السنوات التالية.. ونجحت في كل مرة..
إذن أظن أن ما شعرتُ به لها كان حباً.. بالتأكيد لم يبدُ لي كذلك في وقتها.. ولكن الآن أظنه كان.. ولو كان أحد الأولاد قال هذا وقتئذٍ لكنتُ أوسعته ضرباً.. لا شك في ذلك.. ولكن الآن لا مانع من قولها..
فشكراً لها.. لأنها علمتني أن الحب عطاء.. ومشاركة.. وهو ما يُنسينا الأنانية.. ويُشعرنا أن السعادة الحقيقية هي التي ننشرها حولنا.. ونكون سبباً فيها...

هناك 5 تعليقات:

  1. الحب بغض النظر عن نوعة هو اروع ما في الوجود وكما قال يسوع المسيح ( واما انا فاقول لكم احبوا اعداءكم.باركوا لاعنيكم احسنوا الى مبغضيكم.وصلّوا لاجل الذين يسيئون اليكم ويطردونكم).
    بصراحة هذه القصة اكثر من رائعة والله يباركك اختي ريم وعلى فكره انا كثير بحبك مرام عباسي

    ردحذف
  2. تسلمي والله يسعدك يا رب..
    وأنا كمان بحبك وبحب تعليقاتك والدعم المعنوي اللي بتعطيني إياه :)

    ردحذف
  3. الله يسلمك ريم اكيد الاصحاب بدعموا بعض معنويا على الاقل وانتي فعلا صديقه رائعه بفتخر بصداقتك وكاتبه مبدعه الله يحميكي مرام عباسي

    ردحذف
  4. والله من الاخر ما شاء الله عليكي يارب دايما تستمري على هذا الطريق ويارب تنجحي بحياتك اميييييييين يارب :)

    ردحذف
  5. اول شي بدي اقوله انه هه هيني علقت على كتابتك.
    ثاني اشي: انتي كمان ريم علقتي علي بس تعليق اله تاثيره تعليق فعال جدا لانك اخذتي يدي وحلقت بي في سماء ما كتبتي .
    انتي يا ريم عرفتي الحب افضل تعريف الحب عطاء ولتصمت باقي التعريفات والكلمات عن الحب
    شكرا لك.وصحيح ريم بدنا كمان اه .

    ردحذف