الجمعة، 19 ديسمبر 2008

رحـلــة

ها أنا الآن جالسة في مكاننا المعهود أتأمل الأشياء من حولي.. وأفكر.. أتراك تذكرني حيث أنت الآن أم أنني الوحيدة التي تذكر وتحن إلى ماضينا معاً؟
أتدري.. ما تزال أكثر الأشياء على حالها كما خبرناها معاً.. فهذه شجرتنا الكبيرة التي لطالما جلسنا في ظلالها ساعاتٍ طوال نتحادث ونتضاحك.. وكم شهدت شجاراتٍ بيننا على أشياء سخيفة عدنا لنتصالح بعدها..
وهذه البركة التي طالما بللتنا برذاذها الناعم مخففةً قيظ الصيف وحرارته..
أتدري لم مازلت أحب هذا المكان؟ لأن كل ركن فيه يذكرني بك.. لا تسئ فهمي.. فليس الأمر أنني لا أذكرك في الأماكن الأخرى فأنت تعرف أفضل من هذا.. ولكن لأنه أكثر مكان التقينا فيه معاً.. وهو آخر مكان التقينا فيه.. أتذكر ذلك اليوم؟
كان يوم صيف مختلف عن باقي الأيام.. إذ كانت فيه نسمةٌ عليلة جعلته يوماً لطيفاً في صيفٍ حار.. أمضيناه كاملاً هنا حتى أننا لم نرغب في الرحيل.. إلا أن الوقت قد تأخر.. ونمت ليلتها قريرة العين.. فماذا أريد أكثر في الحياة من يومٍ بأكمله مليئ بالسعادة والحب مع توأم الروح ومليك القلب؟
وفي اليوم التالي وصلني الخبر.. ومع أنني مازلت أشعر أنه حلمٌ غريب لابد أن أصحو منه.. إلا أنني أذكره تماماً.. عندما عدتُ من عملي كنت ما أزال منتشيةً من لقاء الأمس.. أنتظر بفارغ الصبر أن أعود إلى البيت لأكلمك.. فقد أمضيتُ يومي خارجاً.. ولم تكن لدي وسيلة اتصال.. ولكنك لم تفارق بالي لحظةً واحدة..
عند دخولي البيت أحسستُ بشيءٍ غريب.. كانت عائلتي مجتمعةً في حجرة الجلوس صامتين واجمين بشكل قُبض قلبي على أثره.. جلستُ معهم متساءلةً ما الخطب.. وهم ينظرون إلى بعضهم تملأ أعينهم الحيرة والحزن.. حتى تشجع أبي أخيراً وأخبرني بالأمر الجلل.. لقد تركتني ورحلت.. رحيلاً لا أمل في الرجوع منه.. في حادثٍ ما.. لا أذكر ما هو تماماً فقد فقدت أي تركيز بعدها.. وبقيت فكرة واحدة تسيطر على تفكيري: أيعقل أن تتركني هكذا وترحل؟ بلا وداع.. أو حتى إشعارٍ بالرحيل؟! وطبعاً لم أصدق.. فقمت محاولةً الاتصال بك..ولكن أخاك أجاب.. فطلبتُ أن يمرر الهاتف لك.. ولكنه انفجر باكياً.. ثم أخذه منه أبوك.. وما أن عرف أنها أنا حتى تحشرج صوته وعجز عن الكلام.. ما بهم قد جنوا جميعاً!!
فوضعتُ الهاتف من يدي ودخلتُ حجرتي.. لابد أنهم مجانين.. عائلتي وعائلتك معاً.. فكيف ترحل هكذا وأنت ما تزال شاباً قوياً تملؤك الصحة والأمل.. والحب أيضاً!! وبعد أن أمضينا يوماً رائعاً كيوم أمس!! أتدري أنه اليوم الوحيد الذي مر بنا دون أن نتشاحن على شيءٍ ما!!
المهم.. انتظرتُ اتصالك طوال اليوم لتخبرني أنهم جميعاً مخطؤن وأن هناك سوء تفاهم كبير.. أو أنهم معتوهون.. أو أنهم يمازحونني.. كنت انتظر أي تفسير لما قالوه إلا أن يكون صحيحاً..
وطال انتظاري بلا فائدة.. ولا أدري كم طال.. ولكني لا أذكر شيئاً من هذه الفترة.. يقولون لي أشياء كثيرة عن أدوية وهلوسات وكوابيس متكررة.. ولكن صدقاً كأنها لم تحصل لي..
وبدأتُ أعود رويداً رويداً إلى الحياة.. ولكن إن كنت أنت الحياة بالنسبة لي فلا أدري إن كنتُ أستطيع تسميتها حياةً بعد الآن.. ولكنك معي دائماً.. مازلتُ أراك وأشعر بوجودك وأكلمك.. لا تكن مثلهم وتظن أنني قد فقدت عقلي.. فأنا أعلم أنك غير موجود فعلاً.. ولكنك ماتزال تملأ فكري وقلبي ولذلك فأنت معي دائماً..
إني أفضل أن أفكر أنك مسافر.. أليس السفر هو الرحيل من مكان إلى آخر.. فلا نستطيع أن نكون مع من نحب بعدها؟ إذاً فأنت مسافر.. وأنا أنتظر رحلتي التي ستجمعني بك يوماً بفارغ الصبر.. حتى لو كان الموت تذكرتي إليك.. إذاً ما أغلاها من أمنية.. ولكني لا أملك سوى الإنتظار والجلوس في مكاننا الحبيب.. وحنيني إليك يزداد يوماً بعد يوم.. وحبي لك يزداد عمقاً بمرور الوقت...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق